سعيد عطية علي مطاوع

254

الاعجاز القصصي في القرآن

فوصف إطلاق المياه من السماء بأنه فتح لأبواب السماء معني جديد لم يطرق . . . ووصف ارتفاع المياه من بطون الأرض بقوله : " وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً " معني مبتكر لا يلحق . . . ثم الكناية عن السفينة - بأنها ذات ألواح ودسر ، وعن نوح ، بأنه كان كفر ، ثم وصف التسجيل التاريخي بقوله سبحانه : " وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً " كل ذلك تجديد وأي تجديد 19 . " ثم ننتقل إلي التوازن بين الآيات - وإن لم يكن علي صورة الشعر في تعادل التفعيلات بين صدر البيت وعجزه - قد جعل النغم الموسيقى ممسكا بها جميعا في لحن واحد متسق الإيقاع ، يجري قويا متدفقا كتدفق السيل ، حتى يقع علي " القرار " فيستقر عنده ، ويسكن إليه . . . ولننظر أي قرار يحمل هذا البحر المتدفق ويحويه في صدره ؟ إنه حرف واحد هو حرف " الراء " 20 . وهو أقوي حرف في حروف اللغة العربية ، وأشدها تماسكا ، فإذا وقف عليه بالسكون انبعج في رخامة ، ولين ، وصار أشبه بالوادي العميق الرحب ، بين يدي جبل تنهمر عيونه ، وتتدفق سيوله " 21 . وهكذا لو أننا ذهبنا نقف عند كل كلمة من الكلمات لأسهبنا إذا في تصوير نواح من الأسرار البيانية يتحقق في مجموعها معني الإعجاز فيما وصل إليه البحث البلاغي ، والعلم البياني ممّا علمناه . فكيف بما علمه غيرنا ؟ فكيف بما لم يعلمه أحد إلا اللّه سبحانه ؟ 2 - الإعجاز في المعاني والأفكار : ننتقل إلي الإعجاز في معاني القصص ، وما فيه من أفكار جديدة ، وأخيلة بديعة وصور رفيعة . . فالمعاني والأخيلة عند البلغاء تقصد إلى فكرة سامية في أي غرض من أغراض القول ، وتشتمل عند كثير منهم على ما يخترعه المتكلم من معنى غير مطروق ، مما يملأ النفوس روعة وإعجابا بالفكر المبتكرة المخترعة ، ولذلك امتاز في معني الأسلوب الذي هو طريقة النظم وما يشتمل عليه من إيجاز أو إطناب ، وذكر أو حذف ، وتقديم أو تأخير ، كما أنه يتميز عن الغرض العام الذي هو الفن من القول والضرب منه كالمدح والذم وما يتصل بذلك بالهدف والغاية .